السيد محمد الصدر

309

منة المنان في الدفاع عن القرآن

درجةٍ كافيةٍ في انطباق القصد السيّئ عليهم . إذن حينما يقول : رَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهَانَنِ فمقاصدهم لا تكون حينئذٍ حسنةً ، فتلخّص أنَّ ما قبله يدلّ عليه ، فلا يكون لهذه العبارات إلَّا مفاد القصد السيّئ . والحقيقة : أنَّ جواب ذلك بمنزلة القرينة المحتملة ، ولكن مع ذلك يمكن أن يُقال : إنَّه بدء كلامٍ جديدٍ في قوله : كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ فلا ربط له بالآيتين السابقتين عليه ، فما ذُكر لا يصلح أن يكون قرينةً واضحةً عليه . فإن قيل : إنَّ الكلام السابق على هاتين الآيتين دليلٌ على أنَّ المراد من قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهَانَنِ سوء القصد ؛ لأنَّه يتكلّم عن عذاب الأمم السابقة ، وقد مات هؤلاء على الكفر والطغيان والانحراف ، فحينئذٍ نلحق هذا بوحدة السياق ، فيكون هو أيضاً من النموذج السيّئ كالنماذج السابقة ، وإن لم يكن مثلها فهو قريبٌ منها أو مماثلٌ لها ببعض الصفات ، فحينئذٍ لا يكون لهاتين العبارتين - أعني : رَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهَانَنِ - إلّا بيان قصد سيّئٍ من أمثال هذه النماذج من البشر . وهذا مدفوعٌ وقابلٌ للمناقشة أيضاً ؛ لأنَّ قوله تعالى : فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ بداية حديثٍ جديدٍ لا ربط له بهلاك عادٍ وثمود ؛ فإنَّ هلاك عادٍ وثمود بمنزلة المقدّمة ، وهذا الكلام الجديد بمنزلة ذي المقدّمة ، وهما من قبيل أن يكتب الإنسان كتاباً فيه مقدّمةٌ ، وفيه فصولٌ ، فالمقدّمة لا ترتبط بالفصول ارتباطاً جوهريّاً وجذريّاً بحيث يصلح أن يكون أحدهما قرينةً على الآخر ، وإنَّما يمكن القول : إنَّ ذكر عذاب عادٍ وثمود وفرعون لأجل العبرة ، وهذا ذكرٌ لأجل الهداية ، والعبرة شيءٌ والهداية شيءٌ آخر . وهناك أمارةٌ أُخرى ، وهي تغيّر السياق وتغيّر النسق ، وهو نهايات الآيات ، وكلّ ذلك يدلّ على أنَّ القرآن قد دخل في موضوعٍ آخر